كيف يحوِّل النظام العسكري في الجزائر هزائمه إلى “انتصارات”؟ دليل مختصرفي بروباغندا الهزيمة
مقدمة: في أسابيع قليلة تلقّى النظام العسكري في الجزائر ثلاث ضربات واضحة:
قرار في ملف الصحراء الغربية أقرب إلى ما يريده المغرب.
إذلال في قضية صنصال: صنع منه “خائن” ثم أفرج عنه تحت ضغط ألماني–فرنسي.
تصويت على لائحة أمريكية بشأن غزة تمهِّد لنزع سلاح المقاومة وفرض وصاية دولية على القطاع.
ومع ذلك، يُباع كل هذا للداخل على أنه “انتصارات دبلوماسية”.
السؤال: كيف يجرؤ نظام على هذا القدر من قلب الحقائق؟
الجواب: لأن الاعتراف بالهزيمة يُهدِّد شرعيته أصلا، فيحوِّل الخسارة إلى “ملحمة” عبر مجموعة حيل ثابتة.
1* “تجنّبنا الأسوأ” = بطولة مزعومة
لم ننهزم، نحن أنقذنا البلد من كارثة أكبر!
كل تنازل يُسوَّق على أنه منع لعقوبات، أو عزلة، أو انفجار… دون دليل ولا شفافية.
فيُقدَّم خضوع النظام في الصحراء وغزة وصنصال كأنه شجاعة إنقاذية، مع أنه نتيجة عجز وخوف وغياب أي رؤية مستقلة.
2. تغيير الهدف بعد الفشل
قبل القرار: شعارات عالية السقف.
بعد الفشل: “لم يكن هدفنا منع القرار، بل إبقاء الملف حيًّا” و “إيصال صوتنا”.
هكذا تنقل الطغمة العسكرية خط النهاية بعد انتهاء السباق، وتطالب الشعب بالتصفيق على ما لم تُحقِّقه.
3. “خسرنا معركة لنربح الحرب” التي لا تأتي
كل تراجع يُسمّى “تكتيكًا لصالح استراتيجية بعيدة”.
في الواقع:
الميدان يتغيّر لصالح “الخصوم”
القضايا تُستنزَف،
والنظام يشتري الوقت فقط ليبقى في الكرسي، لا لتربح الجزائر “معركة” أصلا.
4. تضخيم فقرة هامشية وإخفاء قلب القرار
يُهمَّش جوهر القرار (وصاية على غزة، انحياز لرؤية المغرب…)
وتُضخَّم جملة ثانوية حول “المعاناة الإنسانية” أو “حل سياسي برعاية الأمم المتحدة” على أنها “اختراق تاريخي”.
هذه ليست دبلوماسية، بل تزوير وعي متعمَّد.
5. “انتصار أخلاقي” يغطي هزيمة واقعية
حين يعجز النظام عن تبرير النتيجة، يتحول إلى لغة الوعظ:
خسرنا سياسيًا لكن انتصرنا أخلاقيًا… يكفينا أننا وقفنا مع الحق!
الحقيقة:
النظام الذي يقمع شعبه، ويزوِّر إرادته، ويعتقل شرفاءه، لا يملك حقَّ الحديث عن “أخلاق” لا في غزة ولا في الصحراء ولا في أي ملف.
6. أسطورة “الضغوط الخارجية” لتلميع صورة الجبان
يُقال للناس:
أمريكا وأوروبا ضغطت بقوة… نحن صمدنا ثم اضطررنا.
لكن السؤال الحقيقي:
من الذي وضع البلد أصلًا في موقع ضعف يسمح بهذه الضغوط؟
من الذي دمّر شرعية المؤسسات، وربط الاقتصاد بالريع، وجعل قرار الجزائر مرتهنًا؟
إنه نظام الجنرالات نفسه الذي يحتمي اليوم بـ“الضغوط” ليبرِّر خضوعه.
7. تغليف الخيانة بعبارة “الأمن القومي” و“المصالح العليا”
كل من يسائل القرار يُضرب بسلاح التخوين:
“لا تفهم الأمن القومي.”
“تُغامر باستقرار البلاد.”
“تخدم أجندات خارجية.”
هكذا تتحول “المصالح العليا” إلى لافتة فارغة، وظيفتها الوحيدة حماية الجنرالات من الحساب، لا حماية الجزائر من الأخطار.
8. الشرعية الشكلية لتغطية التنازل الواقعي
في قرار غزة مثلًا:
يقال: “احترمنا الشرعية الدولية، واصطففنا مع الممثل الرسمي لفلسطين”. وهخم أول من يعلم أن سلطة عباس هي مليشيات في خدمة الكيان.
لكن جوهر المسألة:
هل خدم التصويت المقاومة أم مشروع نزع سلاحها؟
هل حمى غزة أم سهّل الوصاية عليها؟
النظام يختبئ وراء الشكل القانوني لأنه لا يملك شجاعة الاعتراف أنه اصطفّ عمليًا مع من يريد تدمير المقاومة و إحتلال غزة.
9. الضجيج الإعلامي لدفن الخبر
كل هزيمة تُرفَق بـ:
برامج تافهة للتطبيل،
“خبراء” يشرحون “فوائد” القرار،
حفلات كذب حول “حكمة القيادة”.
الهدف:
دفن السؤال البسيط: لماذا انهزمتم؟ ومن قرّر؟ وكيف يُحاسَب؟
10. تجريم تسمية الهزيمة باسمها
من يصف ما حدث في الصحراء أو غزة أو صنصال بأنه هزيمة، يُتَّهَم بـ:
خدمة “المخزن”،
عميل “للصهيونية”،
استهداف “الجيش”.
بهذا يُساوي النظام بين نفسه وبين الوطن، وبين نقده وبين خيانة الجزائر، مع أن الخيانة الحقيقية هي في من يخضع للخارج، ويكتم أنفاس الداخل.
الخلاصة: الحق في تعريف النصر والهزيمة
النظام العسكري في الجزائر يمارس كل فنون قلب المعاني:
الخضوع = حكمة،
التنازل = واقعية،
الكذب على الشعب = “رواية وطنية”،
الناقد = خائن.
مواجهة ذلك تبدأ باسترجاع حق بسيط وخطير في آن واحد:
حق الشعب في تسمية الأشياء بأسمائها.
ما جرى في “الصحراء” هزيمة سياسية.
ما جرى في “صنصال” إذلال للدولة أمام الخارج.
ما جرى في “غزة” خيانة للجزائر قبل فلسطين.
حين يجرؤ الجزائري على قول هذه الجملة بصوت عالٍ:
هذا نظام يهُزم بإستمرار ويواصل الكذب علينا بوقاحة،
يكون قد قطع أول خطوة حقيقية في طريق التحرر من حكمٍ يرى في الشعب قطيعًا، وفي الهزيمة “إنجازًا”، وفي الحقيقة أكبر خطر على بقائه…
محمد العربي زيتوت
ديبلوماسي جزائري سابق
